قبل خمسة وعشرين عامًا، كنت أجلس على مقاعد الدراسة في جامعة مؤتة كطالب يعاني من التعثر الأكاديمي. لم أكن النموذج التقليدي للطالب المتفوق، ولم تكن رحلتي تسير وفق المسار الذي توقعه الآخرون.

اليوم، عدت إلى الجامعة نفسها بصفة مختلفة تمامًا؛ ضيف شرف ومتحدثًا أمام الخريجين، أحمل قصة نجاح تشكلت عبر سنوات طويلة من المحاولات والتحديات والتعلم المستمر.

بين هاتين اللحظتين تمتد رحلة لم تصنعها النجاحات وحدها، بل ساهم في بنائها الفشل بقدرٍ ربما يفوق النجاح نفسه.

البدايات غير التقليدية

في عمر التاسعة عشرة، كان اهتمامي منصبًا على بناء مشروع تقني أكثر من التركيز على الحياة الجامعية التقليدية. في ذلك الوقت أسست شركة Jordan Host، مدفوعًا بشغف التكنولوجيا وريادة الأعمال، في مرحلة كان معظم أقراني يسعون فيها إلى اجتياز الامتحانات وتحقيق التفوق الأكاديمي.

اختيار هذا الطريق لم يكن سهلًا، وكانت له كلفته. فقد واجهت تحديات أكاديمية دفعتني لاحقًا إلى الانتقال إلى جامعة الإسراء، وهي المحطة التي شكلت نقطة تحول مهمة في حياتي.

هناك وجدت بيئة أكاديمية داعمة، وإدارة وأساتذة آمنوا بإمكانية الجمع بين الدراسة وريادة الأعمال، وساعدوني على الاستمرار في تطوير مشاريعي دون التخلي عن مسيرتي التعليمية.

عندما يصبح الفشل جزءًا من النجاح

غالبًا ما نقرأ قصص النجاح بعد اكتمالها، لكن ما لا يظهر عادة هو حجم الإخفاقات التي سبقتها.

فقد مررت بمشاريع لم تنجح.
وأضعت فرصًا مهمة.
واتخذت قرارات خاطئة أكثر من مرة.

لكن مع مرور الوقت أدركت أن الفشل ليس عائقًا أمام النجاح، بل أحد أهم مكوناته. فكل تجربة لم تحقق نتائجها المتوقعة كانت تمنحني معرفة جديدة، وخبرة أعمق، ورؤية أوضح للمستقبل.

إنجازات مبكرة ورؤية سبقت وقتها

قبل أن أتجاوز الخامسة والعشرين من عمري، تشرفت بالحصول على جائزة الملك عبدالله الثاني للتميز والإبداع عن مشروع “ويكيبيديا الأردن”، كما حصلت عام 2010 على جائزة IT SAF عن مشروع “البث المباشر في الأنظمة التعليمية”.

وعندما أنظر إلى ذلك المشروع اليوم، أجد أنه كان يتناول مفاهيم أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من التعليم الحديث، مثل بث المحاضرات عن بُعد والتعلم الإلكتروني، وذلك قبل سنوات من الانتشار الواسع لمنصات مثل Zoom وMicrosoft Teams وGoogle Meet.

كانت تلك التجارب المبكرة دليلًا على أهمية التفكير المستقبلي والإيمان بالأفكار حتى عندما تبدو سابقة لوقتها.

أكثر من عقدين من التعلم المستمر

على مدار أكثر من 23 عامًا من العمل في قطاع التكنولوجيا والاستشارات وإدارة المشاريع، أتيحت لي فرصة المشاركة في العديد من المبادرات والمشاريع التي أسهمت في تطوير خبراتي المهنية والشخصية.

وما زلت أواصل هذه الرحلة اليوم من خلال عملي في BDO Jordan (Samman & Co.)، مستندًا إلى قناعة راسخة بأن التعلم لا يتوقف عند شهادة جامعية أو منصب مهني، بل يستمر ما دام الإنسان يسعى إلى التطور.

الاتصال الذي حمل معنى مختلفًا

قبل فترة، تلقيت اتصالًا من جامعة الإسراء.

لم يكن الاتصال للتواصل مع خريج سابق.
ولم يكن دعوة لحضور مناسبة عادية.

كان دعوة لتكريم قصة نجاح.

تشرفت بإلقاء كلمة أمام الخريجين، واستلام درع التكريم، والمشاركة في تسليم الشهادات للطلبة الذين يقفون اليوم عند بداية رحلتهم المهنية.

وفي تلك اللحظة، لم أفكر بالجوائز أو المناصب أو الإنجازات المهنية.

كل ما تذكرته كان ذلك الشاب الذي قيل له أكثر من مرة إنه لن ينجح.

الرسالة الأهم

إذا كانت هذه الرحلة تحمل رسالة واحدة، فهي أن البدايات الصعبة لا تحدد النهايات، وأن التعثر ليس حكمًا دائمًا على مستقبل الإنسان.

قد تتأخر النتائج.
وقد تتكرر الإخفاقات.
وقد يشكك الآخرون في قدراتك.

لكن الاستمرار في التعلم، والإصرار على المحاولة، والإيمان بالقدرة على التطور، كلها عوامل قادرة على تغيير مسار الحياة بالكامل.

أشعر اليوم بامتنان عميق لجامعة الإسراء على هذا التكريم، ولكل شخص آمن بي خلال هذه الرحلة، ولجميع التجارب الصعبة التي مررت بها؛ لأنها كانت، في النهاية، السبب الحقيقي وراء الوصول إلى هذه اللحظة.

فبعض أجمل قصص النجاح تبدأ من الأماكن التي ظن الجميع أنها نهاية الطريق.